مفهوم الحضارات في سياق تسويق الصراع.. زائف

الدكتور نصر حامد أبو زيد.. قامة سامقة في عالم الفكر، والحديث إليه في حوار صحفي لا يمكن أن يروي ظمأ المتلهف إلى المعرفة، فالكلام إلى الدكتور نصر شيّق للغاية مثلما هي قراءته، فهو الفكر الهادئ، والعقل الناصع الذي يردّ الحجة بالحجة والبينة بالبينة، ولقد لمسنا في حوارنا مع الدكتور نصر أن الإلمام بكل ما يطمح إليه صعب في عجالة حوار..وفي هذه الجلسة، حلق بنا الدكتور نصر حامد أبو زيد في سماوات الفكر، فعشنا معه وقتا ممتعا، لن نشرحه للقراء في هذه المقدمة كما تقتضي "الحوارات الصحفية"، لأننا نريد للقارئ أن يعيش ما عشنا في رحاب الفكر..
حاوره: محمد كاديك
مرحبا بكم الدكتور نصر حامد أبو زيد بين قراء "المشهد الثقافي".. اسمح لنا في البداية أن نعود بكم إلى ذكرى قد تكون مؤلمة.. نريد أن نبدأ حديثنا من المحكمة التي أدانتكم وذهبت إلى درجة الحكم بطلاق حرمكم الدكتورة ابتهال يونس منكم.. كيف كان موقفكم من الحكم، وهل تعتقدون بأن من أصدر الحكم ضد كتاباتكم تمعن في أفكاركم ونظر بجدّ إلى ما ترمون إليه؟
هذه فعلا ذكرى مؤلمة، لا أحب أن أعود إليها خاصة وقد مرت السنوات وجرت في نهر الحياة مياه كثيرة أزالت الألم. القاضي في هذا الحكم ينظر في أوراق الدعوى من جانب المدعين ومن جانب الدفاع على السواء. أي أنه لا ينظر في "لب القضية الفكرية"، فالمحاكم ساحات لتطبيق القانون بناء على الأوراق المتاحة، لا بناء على البراهين الفكرية. من هنا فقد كان المتوقع رفض القضية ـ كما حدث في مرحلة التقاضي الأولى ـ بناء على أن "القضاء" ليس مجالا لحسم النزاعات الفكرية. لكن العالمين ببواطن الأمور يدركون أن المناخ السياسي والديني للواقع المصري في أوائل التسعينيات، وهو مناخ ساد فيه الإرهاب المادي والمعنوي، ولم تنج من هذا المناخ فضاءات القضاء، فالقضاة في النهاية بشر. ومن الصعب في حالة الانتماء الديني على القاضي أن يفصل بين هذا الانتماء وبين متطلبات العدل. لا أقول أكثر من هذا؛ فالقاضي الموكل به تطبيق القانون سمح لنفسه في هذه القضية تحديدا أن يكون "مشرعا"، فاعتمد على الدستور ـ المادة التي تنص على أن "الشريعة" هي المصدر الأساسي للتشريع ـ ولم يعتمد على القانون المصري الذي لا وجود فيه لجريمة اسمها "الردة"، والمبدأ القانوني أنه لا عقوبة على لا جريمة. لجوء القاضي للدستور ـ وهو خطاب للمشرع وليس للقاضي ـ يعد مخالفة للقانون الذي يفصل بين السلطتين "التشريعية" و"القضائية".
الأستاذ عبد الصبور شاهين كان من أبرز الذين حركوا الدعوى القضائية ضدكم، وهو صاحب شأن لا ينكر في دنيا المعارف، ولقد ذاق شاهين من نفس الكأس التي سقاها لكم مع كتابه "أبي آدم".. لكن الأستاذ شاهين يرى بأنه لم يكن مثلكم، لأن المحكمة برأته وأدانتكم.. ما رأيكم؟
لم تحدث محاكمة للدكتور شاهين ولا تبرئة، ذلك أن تغيير القانون بعد صدور الحكم في قضيتي حرَّم على الأفراد رفع دعاوى "حسبة"، وجعل ذلك من اختصاص المحامي العام "المدعي العام" دون غيره. ثم ما هو مجال الفخر في هذا الشأن، مهاجمة كتاب والسعي لقتل مؤلف جريمة. هذا ما قلته في سياق الهجوم على كتاب "أبي آدم"، وهو ما أزعج الدكتور شاهين. أزعجه ألا أهاجمه أو أتشفى فيه، كما توقع كثيرون. ولو فعلت لكنت مثله؛ فهاهو يتشفى بأن ما حدث لي لم يحدث له.. أي أخلاق تلك أو أي شأن في دنيا المعارف؟!
هناك مشكلة أخرى.. عادة ما تضربون المثل بطه حسين الذي اضطر إلى التنازل عن كتاب "في الشعر الجاهلي" لصالح كتاب "في الأدب الجاهلي"، ولكن الفارق بينكما هو أن الجامعة ناصرت طه حسين وتخلت عنكم.. لماذا وقفت الجامعة ضدكم وأنتم في أمسّ الحاجة إليها مع أن المفترض هو أن الجامعة هي التي تأخذ الأمور بحكمة العارف؟
الجامعة أصابها ما أصاب القضاء من الاختراق، ثم هي في التحليل الأخير جزء من المجتمع الذي كان "الإرهاب" يسيطر عليه ذهنيا. هذا بالإضافة إلى أن "جامعة طه حسين" كانت ما تزال تتمتع باستقلال نسبي ضاع تماما من الجامعة مع بداية أيام الثورة المباركة، حيث قامت حركة "تطهير الجامعة" بتفريغ الجامعة من كل كفاءاتها الفكرية في جميع التخصصات. ثم كانت الضربة القاضية في حركة تطهير أخرى في الثمانينات ضمن حركة تطويق شاملة للمجتمع قام بها السادات، تم اغتياله عقبها. جامعة التسعينيات أصبحت في حيازة الأمن، والأمن يعمل بناء على استراتيجية "غلق الأبواب" حيث يحتمل أن تهب رياح. قرار الجامعة بحرماني من الترقي كان قرارا "أمنيا"، حتى لا يثور الإسلاميون ضد الجامعة.
ظهرتم في كثير من مقاطع كتابكم "النص، السلطة، الحقيقة" وكأنكم ترافعون لصالح قضيتكم ضد خصومكم، وكنتم في كثير من المرات تخرجون عن سياق كتابتكم الفكري، إلى ما يبدو وكأنه ردود مباشرة وحجج بينة على سقم فهم الخصوم، حتى أنكم ختمتم أحد المقاطع كما يلي: "ثم يزعمون بعد ذلك كله أنهم لا يؤمنون بالكهنوت، ويزعمون أنهم مع حرية الفكر لا مع الكفر، فأي كفر هنا وأي فكر هناك؟".. طبعا كل ما فعلتموه هو رفض فكرة "القرآن المكتوب على اللوح المحفوظ" التي ترونها أسطورية على سبيل المثال.. ألا ترون بأن انتزاع الأسطورة من الأذهان أمر غير ممكن بل مستحيل، ولا يمكن ولوج هذه المواضيع إلا بعد تحضير منهجي يفتح النقاش على مستويات أعلى؟
لا تستطيع أن تنقدني بسبب الدفاع عن نفسي ولو بطريقة سجالية. هذه الضغوط أعترف بها، وقراري بمغادرة مصر كان الهدف منه التخلص من هذه الضغوط لأعمل في مناخ أفضل. هذا الكتاب كتبت فصوله قبل مغادرة مصر، وأنت محق في ملاحظتك. تفكيك الأساطير صعب، نعم. لكن ليس معنى هذا أن نستسلم لمنطق التفكير الأسطوري بدعوى أن المناخ ليس ملائما بعد. تحضير المناخ يتأتى بالنقاش النقدي. وأعتقد أن كتاباتي قد ساهمت بالفعل في فتح باب النقاش، التقيت بكثير من الشباب المسلم في كل مكان من إندونيسيا إلى سوريا وإيران وقد استقر هذا التفكيك في وعيهم بفضل كتاباتي وكتابات غيري، لعل من أبرزهم "محمد أركون" الجزائري.
هناك رؤية أخرى.. ركزتم جهودكم على مشكلة التأويل في القرآن الكريم، ولكنكم كنتم تضطرون للتراث كي تبرهنوا على صحة رؤيتكم.. "قضية اللوح المحفوظ" دائما مثال.. وكانت منهجيتكم في قراءة التراث تؤدي منطقيا إلى بعض الأحكام القاسية مثل إصراركم على تكرير الوصف الأسطوري للقرآن "كل حرف من القرآن على اللوح المحفوظ بحجم جبل يسمى قاف".. اسمحوا لنا دكتور نصر أن نوضح مقصدنا أكثر… يروي ابن كثير في تاريخه حادثة هجوم أبرهة على الكعبة كما سمعها، فيصف الجند

























